أبحاث ودراسات

أسباب الاختلاف في تفسير القرآن الكريم: رؤية منهجية
أسباب الاختلاف في تفسير القرآن الكريم:
رؤية منهجية

   دة. فاطمة الزهراء الناصري
أستاذة باحثة بمركز الدراسات القرآنية
بالرابطة المحمدية للعلماء

كان التفسير في حضن علم الحديث، ثم استقل عنه للضرورة المنهجية المتعلقة باختلاف آليات العلمين ومآخذهما وضوابطهما، لكن التفسير لم يحافظ على آليات علم الحديث الذي يقوم على توثيق مصادر الأقوال، ويحكمه سؤال رجال الآثار: من قال ومن أخبر؟ ولو بقي الأمر على ما كان  لتخففنا من كثير من الخلافات غير المعتبرة التي تضج بها  أمهات كتب التفسير، والتي غالبا ما تَرد عمن ليست له أهلية التأويل.

 فنجد نسبة الخلاف غير المعتبر في أصول الفقه والفقه مثلا أقل مما عليه الحال في التفسير، لما ينبني على الأقوال من أصول تشريعية وأحكام عملية، أما التفسير فمدام القول لا يؤصل أصلا ولا يبني حكما، تطلق فيه الأقوال والخواطر وتتناقل على أنها أقوال في تفسير الآية، وأحيانا تتناقل على أنها ضمن التفسير النقلي كما نجده بالنسبة لآراء بعض التابعين وتابعيهم  رحمهم الله تعالى.

ولهذا لا يصح القول:"اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على خمسة أقوال أو ستة فذهب بعضهم إلى أن معناها كذا وذهب الآخر إلى كذا"، إلا في حال ارتكاز القول على الدليل، وإلا فإننا لا نجد في الواقع إلا قولين أو قولا واحدا، والباقي لا يمكن عده ضمن الأقوال التي يعتد بها خلافا، ولمن هنا تكتسي الجهود التفسيرية لبعض المحدثين والمعاصرين أهمية قصوى في تخليص التفسير من كثير من الحشو والخلاف غير المعتبر1.

أنواع الاختلاف في التفسير:

عندما نتحدث عن أنواع الاختلاف عموما نجد أن من أهم التصنيفات التي وضعها العلماء ؛ ما عبروا عنه "بالاختلاف المحمود والاختلاف المذموم" والواقع أن هذه العبارة تحمل أحكاما معيارية لأن عبارة "الاختلاف المحمود"، تضفي الشرعية وزيادة على قضية الاختلاف، والواقع أن عبارة : "الاختلاف  المقبول" أوفق؛ لأننا بصدد اختلاف ليس محمودا ولا غير محمود ولكن تفرضه الدوافع العلمية الموضوعية المبسوطة في أسباب الاختلاف، وكذلك عبارة: "الاختلاف المذموم" تحمل نفس الحكم المعياري، والواقع أنه اختلاف غير مقبول بالنظر لدوافعه وأسبابه غير الموضوعية وغير العلمية، لذلك يفضل ما دمنا نتكلم بمنهج علمي واضح أن نتجنب أحكام القيمة، إلا عندما نحتاجها في سياقها الخاص. 

إذن فمن الأمور المنهجية التي ينبغي الانتباه إليها فيما يتعلق بأنواع الاختلاف هو؛ تصنيفه بعدة اعتبارات، فهو باعتبار طبيعته إما اختلاف تنوع أو اختلاف تضاد، وهو باعتبار موضوعية وعلمية دوافعه من عدمها إما:  مقبول أو مرفوض.

 لماذا الاختلاف في التفسير؟

من المعلوم أن التفسير هو : بحث في القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية"2، فالنص القرآني إذن له مقاصد معينة محددة على المفسر إبرازها، لأن الحقيقة في النص واحدة لا تتعدد ولا تختلف و"اختلاف الناس في الحق لا يوجب اختلاف الحق في نفسه، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه، والقياسات المركبة عليه، والحق في نفسه واحد"3.

 ولهذا فالوفاق في فهم النص القرآني هو الأصل، والاختلاف عارض، ومن تم كان طلب أصح الأوجه في تفسير كلام الله تعالى من أهم مقاصد طلب العلم، ومع هذا فالكثرة الكاثرة من الآيات قد وقع الاختلاف في تفسيرها، أحيانا لأسباب علمية موضوعية وأحيانا لغيرها من الأسباب.

ويمكن تصنيف أسباب الاختلاف في التفسير في ثلاثة عناصر على الشكل الآتي: أسباب تعود إلى طبيعة النص، وأسباب تعود إلى ما يحف بالنص، وثالثة تعود إلى شخصية المفسر.

المحور الأول: أسباب الاختلاف في التفسير العائدة إلى النص:

ويدخل ضمنها:

1-  الاختلاف بسبب القراءات القرآنية المتعددة للنص:

 سأكتفي بالإشارة إلى بعض من تناول هذا الموضوع دون تفصيل القول فيه، لأن الاختلاف في القراءات  مدعاة للاختلاف في كم كبير من الآيات القرآنية4، إضافة إلى ما يلحق بذلك من الاختلاف بسبب الوقوف، وقد فصل القول فيه في بحوث  متعددة 5

  الاختلاف بسبب ما يحف بالنص من مرويات:

أي مرويات أسباب النزول والنسخ والإسرائيليات، فقد يقع الاختلاف في التفسير بسبب الاختلاف في اعتبار سبب نزول معين من عدمه، أو القول بالنسخ أو عدم القول به أما جملة أو تفصيلا و الاختلاف بسبب اعتماد الآثار الإسرائيلية من عدمه، فالاختلاف في مثل هذه المرويات كان ولا يزال له أثر مهم في الاختلاف في التفسير.  الذي كان له بدوره آثارا علمية في باقي حقول العلوم الشرعية مثل العقائد والأصول والفقه...

3-  الاختلاف بسبب تعدد طرق دلالة النص على المعنى:

 لأن النص أما أن يكون؛  "نصا" بالمفهوم الأصولي حيث يفيد معنى واحدا، وإما أن يتراوح بين الظهور والتأويل، أو بين الإجمال والبيان، أو بين العموم والخصوص، أو بين الإطلاق والتقييد، أو بين المنطوق والمفهوم، أو بين الحقيقة والمجاز، كما أن النص يدل على معناه إما مطابقة أو تضمنا أو التزاما، إلى غير ذلك من الاصطلاحات المبسوطة في مباحث الدلالة، وهذه الأسباب العائدة إلى طبيعة النص تشمل التفسير بالقرآن الكريم والتفسير بالحديث النبوي وبأقوال الصحابة وغيرها من الآليات التي يتم بها كشف دلالة النص.

وفيما يلي تفصيل القول عن المسوغات المنهجية التي تسمح بالاختلاف في تفسير القرآن بالقرآن نفسه، والاختلاف في التفسير بالسنة النبوية،  والاختلاف في التفسر  بأقوال الصحابة رضوان الله عليهم.


  أسباب الاختلاف في تفسير القرآن بالقرآن6

تفسير القرآن بالقرآن منهج لازم لكل متأمل في كتاب الله تعالى بمقتضى الوحدة البنائية للنص القرآني، وضرورة النظر في الآيات بمنهج التكامل والربط بين الجزئي والكلي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد..

لكن مع أن عملية التأويل في تفسير القرآن بالقرآن تتم بالقرآن نفسه، يعني أن النص المفسر والمفسَر لهما نفس قوة الثبوت، إلا أن تدخل العنصر الثاني في العملية التفسيرية أي الذات المفسرة؛ يضفي صبغة الظنية على هذا التفسير، من خلال استعمال المفسر للآليات المعرفية والمنهجية المتاحة له في سياقه التاريخي في الربط بين الآيات، مما يعني أن الاختلاف وارد في تفسير القرآن بالقرآن كما يرد في التفسير بأي مصدر آخر، بل إن هذا الاختلاف قد يصل إلى درجة الانحراف7.

-      الاختلاف في تفسير القرآن بالقرآن

فعندما نتصفح فهرس أحد أهم  التفاسير التي قامت على منهج تفسير القرآن بالقرآن مثل: "أضواء البيان" نجد أنه عنون كثيرا من الفصول بالإشارة إلى الاختلاف في هذا المنهج،8وقد ارتأيت التمثيل للاختلاف في تفسير القرآن بالقرآن كالآتي:

الاختلاف في تفسير قوله تعالى:"إن كيدكن عظيم"9 بقوله سبحانه:"إن كيد الشيطان كان ضعيفا"10 

فرغم أن أضواء البيان من التفاسير التي احتوت قدرا كبيرا من الالتزام المنهجي، إلا أن بعض الأمثلة في تفسير الآيات بالآيات أغفل فيها رحمه الله تعالى التزامه المنهجي، ومنها هذا المثال، حيث قال في تفسير قوله تعالى: إن كيدهن عظيم"، هذه الآية إذا ضمت لها آية أخرى " حصل بذلك بيان أن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان، والآية المذكورة هي قوله تعالى: "إن كيد الشيطان كان ضعيفا"11.

هنا نتساءل أين غابت قاعدة التفريق بين إذا ما كان الكلام حكاية لله تعالى وبين أن يكون محكيا لغير الله عز وجل؟  لأنه إن كان لله فلا شك في صحة هذا الحكم، وإن كان محكيا لغيره فهو يحتمل الخطأ.

ولأن الكيد هو التدبير الخفي إما لضرر أو منفعة فقد استعمل في القرآن الكريم إما مذموما إذا نسب للشيطان أو الكفار أو المشركين، أو محمودا إذا نسب إلى الله تعالى، كما في قوله: وأملي لهم إن كيدي متين"12، ولهذا فالكيد كفعل إنساني يكون مذموما إذا لم يكن موجها بقيم الصلاح  ومحمودا إذا كان موجها بها، وكيد النساء لا يخرج عن هذا الوصف، ثم إن أول كيد تعرض له يوسف عليه السلام هو كيد إخوته من الرجال: "قال يا بين لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا"13-14

من هنا تتضح مشروعية الاختلاف مع التفسيرات التي ربطت بين كيد النساء في سورة يوسف وكيد الشيطان في سورة النساء.لأنها لم تفرق بين أن يكون الكلام حكاية لله وبين أن يكون محكيا لغيره سبحانه15.

-      الاختلاف بسبب عدم الأخذ بتفسير القرآن بالقرآن

قد يقع الاختلاف بسبب عدم الأخذ بمنهج تفسير القرآن بالقرآن، وهو ما عبر عنه الإمام الشنقيطي بقوله: "أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول"16، والملاحظ في هذا السياق المفارقة الواقعة  بين التنظير للمنهج وبين الالتزام التطبيقي به عند بعض  العلماء، وهو ما مثلت له  بتفسير مفهوم "القوامة" في القرآن الكريم.

لأنه من القضايا الشائكة التي تم فيها الإخلال بمنهج تفسير القرآن بالقرآن، والتي انطلقت من التفسير لتمتد آثارها المعرفية والاجتماعية إلى الأسرة والمجتمع؛ قضية مفهوم القوامة، من خلال قوله تعالى: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم"17، فقد وقع الكثير من المفسرين في محذور منهجي بتجاوزهم لتفسير القرآن بالقرآن في هذه الآية، كالإمام ابن عطية، فبعد أن ذكر الدلالات اللغوية للقيام، بما فيها: الاستبداد بالنظر والحفظ، قال: "فقيام الرجل على النساء هو على هذا الحد، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة يقتضي أن للرجال عليهن استيلاء وملكا ما"18، وهو تقريبا نفس المعنى الذي ذكره الإمام ابن جزي في تفسيره19.

وحتى الإمام الشنقيطي الذي تألق في تفسير القرآن بالقرآن، خانه المنهج في تفسير هذه الآية فقال: "معناها أن الرجل أفضل من المرأة، ذلك أن الذكورة شرف وكمال والأنوثة نقص خلقي طبيعي، والخلق كأنه مجمع على ذلك، لأن الأنثى يجعل لها جميع الناس أنواع الزينة والحلي وذلك لجبر النقص الخلقي الطبيعي الذي هو الأنوثة، بخلاف الذكر؛ فجمال ذكورته يكفيه عن الحلي  ونحوه!".

والواقع أنه لو فسر القرآن بالقرآن في نفس الآية، بحيث يفهم قوله تعالى:"الرجال قوامون على النساء" بربطها بقوله سبحانه: "بما فضل الله بعضهم على بعض" لكانت النتيجة المساواة بين الرجال والنساء؛ فبعضهم على بعض تعني أن الرجال قوامون على النساء بحيث يختص الرجل ببعض المسؤوليات لتميزه عن المرأة في أمور، ويتحمل عنها مسؤوليات أخرى لتميزها هي عليه في أمور أخرى، فالرؤية القرآنية واضحة في هذه الجزئية إذا تجاوزنا آفة تجاوز تفسير القرآن بالقرآن، لكن الإمام الشنقيطي يقول: "بعضهم على بعض" أي بعض الرجال على بعض20، ومعلوم أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، مما يعني: بما فضل به بعض النساء على الرجال،  وبعض الرجال على النساء، والله تعالى أعلم.


 أسباب الاختلاف في التفسير بالحديث النبوي:

هناك فرق وبون شاسع من الناحية المنهجية  بين التفسير النبوي للقرآن والتفسير بالحديث النبوي، فالأول قليل من حيث الكم21، وهو يفيد القطع إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما التفسير بالحديث النبوي فيمكن القول بأنه مثل تفسير القرآن بالقرآن عملية اجتهادية في الربط بين الآية القرآنية والحديث النبوي، يقوم بها المفسر بما تسمح به أدواته المعرفية والأفق العلمي لعصره والأسئلة الراهنة التي يفرضها سياقه الحضاري والكوني.

ولذلك قد تفسر الآية الواحدة برأيين بحسب حديثين نبويين، فيتشبث كل بتفسيره  لانتسابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويغفلا معا أن التفسير لهما وإن كان الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا عندما لا يتم التمييز بين التفسير النبوي والتفسير بالحديث النبوي باعتباره عملية اجتهادية يشتد الاختلاف، الذي قد يصل إلى التعارض المستدعي إما الجمع أو الترجيح بحسب قوة ثبوت الحديث أو بحسب مدى خضوع التفسير للضوابط والأصول المسطرة في  أصول التفسير ، والأمثلة على هذا النوع من الاختلاف كثيرة لا نود الاستطراد في ذكرها في هذا السياق.


الاختلاف في التفسير بأقوال الصحابة

 من المعلوم أن أقوال الصحابة رضي الله عنهم في المرويات كموضوع أسباب النزول والناسخ والمنسوخ ومبهمات القرآن22 إذا صحت فهي في حكم المرفوع23 إلى النبي صلى الله عليه وسلم، تكتسي قوتها من مدى صحتها وثبوتها، ولأقوالهم في التفسير فيما عدا ذلك حكم الموقوف الذي يكتسي قوة الحجة أيضا من احتمال سماعه من الرسول صلى الله عليه وسلم .

 وكذلك أقوالهم في الجانب اللغوي أقوى من قول غيرهم لسلامة السليقة، وهذا لا يعني أن أقوالهم في اللغة قطعية، إذ يمكن لأفراد المجتهدين الاختلاف مع تفسير لغوي معين لصحابي معين، مع العلم أن بعض العلماء يعتبر أقولهم في اللغة كأقوال سائر اللغويين إلا أن يكون فيها زيادة عن مقتضى اللغة، قال  صديق  القنوجي: "فأما ما كان ثابتا عن الصحابة رضي الله عنهم: فإن كان من الألفاظ التي قد نقلها الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي بوجه من الوجوه فهو مقدم على غيره، وإن كان من الألفاظ التي لم ينقلها الشرع، فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم، فإذا خالف المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة العرب العرباء، فبالأولى تفاسير من بعدهم من التابعين وتابعيهم وساير الأئمة"24.

وقد استرسل رحمه الله قائلا: " كثيرا ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم القرآني باعتبار المعنى اللغوي، ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر المعاني التي تفديها اللغة العربية، ولا إهمال ما يستفاد من العلوم التي تتبين بها دقائق العربية، وأسرارها، كعلم المعاني والبيان، فإن التفسير بذلك هو تفسير باللغة، لا تفسير بمحض الرأي المنهي عنه "25، وقد حرصت على نقل هذا الكلام بطوله لأنه يحرر خلافا منهجيا دقيقا حول مشروعية مخالفة قول الصحابي في التفسير اللغوي.

  أما كبار مفسري الصحابة كعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وعبد الله بن عباس رضوان الله عليهم فقد اختلفوا في الاجتهاد في التفسير، واختلف معهم التابعون لهم مما يؤسس لمشروعية الاختلاف معهم في الأمور الاجتهادية في التفسير جزئيا لا كليا، إذ هناك فرق بين  عدم الاعتراف بحجية قول الصحابي في التفسير جملة باعتباره المصدر الثالث من مصادر التفسير فيكون الرد كليا، وبين الاختلاف مع تفسيرات بعينها  بشكل جزئي، هناك فرق بين رد الفكرة مبدئيا وبين الاختلاف في التمثيل.

المحور الثاني: أسباب الاختلاف  في التفسير العائدة إلى المفسر:

وقد أجملتها في ثلاثة عناصر

1-   الآليات العلمية المتوفرة لدى المفسر:

المعول عليه في قوة التفسير ومصداقيته ليس المصدر المعتمد فقط، بل إن الذات المفسرة عامل محوري في حجية التفسير؛ فإذا توفرت في المفسر الشروط والضوابط المطلوبة اكتسى تفسيره الحجية والمصداقية، كما تسقط هذه الأخيرة في حال وقع في التعسف المنهجي وإن استند إلى القرآن نفسه.

 تكلم العلماء عن شروط المفسر في مباحث علوم القرآن 26، وبينوا بعض أهم الآليات العلمية الضرورية لممارسة العملية التفسيرية، بما في ذلك العلم بالآثار واللغة وغيرها، لأن تفسير الآية يختلف من مفسر لآخر بحسب اطلاع كل واحد على الأداة العلمية المطلوبة لفهم الآية، وقد كان غياب هذه الآليات العلمية عند بعض المتصدين للتفسير سببا في وجود كم هائل من الخلاف غير المعتبر في أمهات كتب التفسير، يتجلى ذلك في الأقوال التي لا تستند إلى أي دليل، ولهذا لا يصح القول: اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على خمسة أقوال أو ستة؛  فذهب بعضهم إلى أن معناها كذا وذهب آخرون إلى أن معناها كذا...إلا إذا كانت هذه الأقوال مستندة إلى دليل، وإلا فهي خواطر لا يمكن عدها ضمن الأقوال التي تعتبر خلافا، كما قال الناظم:

وليس كل خلاف جاء معتبرا ***إلا خلاف له حظ من النظر

والخلاف غير المعتبر في التفسير هو من الخلاف المذموم، لأنه إن لم يكن له من مساوئ سوى أنه يثقل كاهل التفسير، ويحول بين طالب العلم وبين الوصول إلى الراجح من الأقوال التفسيرية لكفى ذلك داعيا لتخليص كتب التفسير منها27.

ولهذا تكتسي الجهود العلمية لبعض المفسرين المتأخرين أهمية قصوى في تخليص التفسير من الحشو ، كما صنع الشيخ عبد الله كنون في: "تفسير سور المفصل من القرآن الكريم".

2-  أخلاق المفسر:

 يشمل مدى استصحابه لانتمائه المذهبي في عملية التفسير من عدمه، ومدى توظيفه الآلية المذهبية في التفسير، لأن المفسر قد يكون عالما بالدليل، لكنه يقدم مذهبه العقدي أو الفقهي وهي مسألة أخلاقية فتحت بابا واسعا من أبواب الاختلاف في التفسير28.

3-   درجة اطلاع المفسر على الواقع:

 معلوم أن الاختلاف في التفسير إذا نظرنا إليه من الناحية الزمنية يشمل اختلاف المفسرين من السلف فيما بينهم، واختلاف المفسرين المتأخرين مع مفسري السلف، واختلاف المتأخرين فيما بينهم، فالاختلاف ليس محددا بعصر معين.

وقد حضر السياق المقامي في كتب التفسير بوضوح29 ويجب أن يحضر فيها في كل حين، وذلك كأثر لإنصات المفسر لأسئلة زمانه  وتحدياته، بحسب الأفق المعرفي الذي وصل إليه مجتمع المفسر والذي حدد طبيعة وعمق السؤال المطروح، فيكون حينها دور المفسر هو خلق التوازن بين عبارة: "القرآن يفسره الزمان" وعبارة: "القرآن يفسر الزمان".

 لكن المفسر أحيانا قد لا يراعي مقتضيات الواقع إما جهلا، وقد لا يراعيها قهرا بسبب اختلاف العصور، وعندما لا نجد مراعاة للواقع في التفسير بسبب اختلاف العصر  تكون هناك مشروعية اختلاف المتأخرين من المفسرين مع المتقدمين في تفسير الآيات التي لها علاقة بالواقع المستجد، إما تنزيلا للآيات على الواقع، أو رفعا لإشكاليات هذا الواقع إلى القرآن ليجيب عنها ويؤطرها بكلياته ومقاصده العليا الحاكمة وأدلته الجزئية أحيانا،  وه ما حاولت توضيحه في الرسم أسفله

جدلية العلاقة بين النص30 والواقع31كسبب في اختلاف المفسرين


 لذلك فطبيعة العلاقة بين النص والواقع تقتضي التفسير المستمر من أجل انضباط المتحول بالثابت، ومن أجل الإجابة عن إشكالات الواقع الحادثة من خلال الدلالات الممتدة، فوجب إعادة النظر في مقولة: تناهي النصوص وعدم تناهي الوقائع، لأن النصوص وإن كانت متناهية صورا فهي غير متناهية دلالة، ولهذا فهذه القاعدة تحصر الممتد، وتُحكم الزائل والمتحول  في الثابت.

-       اختلاف الأقوال التفسيرية يستدعي الترجيح

عندما تكون الأقوال التفسيرية متعارضة فيما بينها ويتعذر حمل الآية عليها جميعا، يلزم الترجيح بينها بقواعده وقد أفردها  بعض الباحثين بالتصنيف32، وقواعد الترجيح هي :"ضوابط وأمور أغلبية يتوصل بها إلى معرفة الراجح من الأقوال المختلفة في تفسير كتاب الله تعالى بقصد معرفة أصح الأقوال وأولاها بالقبول في كتاب الله تعالى ومن تمة العمل بها إما اعتقادا أو عبادة أو سلوكا، وبقصد تنقية كتب التفسير مما علق يبعضها من أقوال شاذه أو ضعيفة.

ومن هذه القواعد الترجيحية: القول الذي تؤيده قرائن السياق مقدم على ما خالفه، حمل نصوص الوحي على الحقيقة أولى من حملها على المجاز، القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار، تحمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص، إذا دار الكلام بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه...وغيرها كثير من القواعد.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الترجيح في التفسير لا يستدعيه دائما التعارض بمعناه الأصولي بحيث يتعذر الجمع بين قولين في نفس الرتبة والقوة، بل يشمل إظهار أبرز الأقوال وأولاها بالأخذ، فتجد المفسر يقول مرجحا: الظاهر كذا ، وأولى الأقوال كذا...

خلاصة منهجية

قصدت بهذه الدراسة بيان الضرورة المعرفية والمنهجية التي أدت إلى الاختلاف في تفسير القرآن الكريم حينا، والضرورة المنهجية التي تدعو إلى رفعه حينا آخر، ولهذا أود في هذه الخلاصة الإشارة إلى وسيلتين كفيلتين بتفادي بعض الاختلاف في التفسير كالآتي:

أولا: إذا علمنا أن من دواعي الاختلاف في التفاسير الراهنة كون بعض المفسرين المعاصرين33يغردون خارج سرب الأسئلة الحارقة للأمة، ويفسرون الآيات بتحديات القرن الثاني أو الثالث، مما وسع هوة الاختلاف بينهم وبين من يسعى لتفسير الحياة بالآيات؛ بحيث يفسر القرآن بقدر ما يفسر بالقرآن، لزم تفادي هذا الاختلاف من أصله، لما له من آثار معرفية على سائر حقول العلوم الشرعية، ومن تمة لابد من إضافة شروط للمفسر تتعلق بالمعارف الراهنة لضخ الروح السياقية في التفاسير.

ثانيا: أن التمييز بين ما ينكر فيه الاختلاف وما لا ينكر من التفسير بالمأثور قضية منهجية حاسمة، إذ رغم  الجدار الوهمي القائم بين المعقول والمنقول في مجال التفسير، هناك صعوبة منهجية حقيقية في التفريق بين المأثور حقيقة وما دخله الاجتهاد من التفسير بالمأثور، حيث يتعلق الأمر أحيانا بتفسير أثري حقيقة؛ كتفسير القرآن للقرآن، وتفسير النبي للقرآن، وقد يتعلق باجتهادات مأثورة؛ كتفسير القرآن بالقرآن، والتفسير بالحديث النبوي، والتفسير باجتهادات مفسري الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا لا غضاضة في محاولة دفع الاختلاف، وكشف وهميته وعدم اعتباره  عندما يتعلق الأمر بالرأي، وإن استند إلى آراء مأثورة.

 

 الهوامش

1- كما صنع الشيخ عبد الله كنون  في  "تفسير سور المفصل من القرآن الكريم"، ومن الجهود التي تستحق التنويه كذلك تفسير جزء عم للدكتور سليمان الطيار  في تفسير لجزء عم وغيرها كثير .

2- مناهل العرفان، ج2، ص3.

3-ينظر "الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم"، ابن السيد البطليوسي، ص26، تحقيق محمد رضوان الداية، دار الفكر دمشق ط3، سنة 1987 .

4-من ذلك: "اختلاف القراءات وأثرها في عمل المفسرين- القرطبي نموذجاـ"، لأحمد ولد ولد نافع، رسالة دبلوم دراسات عليا معمقة، من كلية الآداب بتطوان سنة2005. و"مكانة القراءات في التفسير من خلال منهج القراء"، الميلودي بوكرمة، دبلوم دراسات عليا، كلية الآداب بالرباط، 1995. بعضها لا يشير في العنوان لموضوع الاختلاف لكنه متضمن مثل: "القراءات وأثرها في التفسير والأحكام" محمد بن عمر بازامول، أصلها رسالة دكتوراه من جامعة أم القرى.

5-من ذلك:"الوقف الموجه للخطاب في القرآن الكريم ـ دراسة دلالية "، لبلعيد بنسعيد: أطروحة دكتوراه، من  كلية الآداب بالمحمدية، سنة 2005. ومنها:"وقوف القرآن وأثرها في التفسير دراسة نظرية مع تطبيق على الوقف اللازم والمتعانق والممنوع"، لمساعد بن سليمان الطيار نشر بمجمع الملك فهد، ط1، سنة: 1431 هـ.  وكذلك:"الوقف والابتداء في القرآن الكريم وأثرهما في الأحكام والتفسير"، لعبدالله علي المطيري، رسالة ماجستير من جامعة أم القرى سنة: 1417هـ

6- من التفاسير التي التزمت بمنهج تفسير القرآن بالقرآن: "تفسير الكتاب بالكتاب" لعبد الرحيم عنبر الطهطاوي ت1365هـ، و"نظام القرآن: تأويل الفرقان بالفرقان" للمعلم عبد الحميد الفراهي1349، و"التفسير القرآني للقرآن" لعبد الكريم محمود الخطيب 1406هـ، و"أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" لمحمد الأمين الشنقيطي، وقد تفرق كذلك تفسير القرآن بالقرآن في كتب الوجوه والنظائر، وكتب المبهمات، وكتب المتشابه، وتأويل المشكل، وكتب علم المناسبة، وكتب توجيه القراءات، ومن تجلياته كذلك الدراسات المصطلحية، ومصنفات التفسير الموضوعي...

7- وقد فصل ذلك الباحث محسن المطيري في كتابه: "تفسير القرآن بالقرآن تأصيل وتقويم" بين فيه أن هذا اللون من التفسير هو مرتع خصب لأهل الإلحاد والمروق قديما وحديثا.

8- من ذلك مثلا قوله: "خذوا ما أتيناكم بقوة واسمعوا"والآيات المشيرة للمراد بذلك السماع على كلا التفسيرين.

9- سورة يوسف، آية28

10- سورة النساء، من الآية 76.

11- أضواء البيان، ج2، ص41

12- سورة الأعراف، من الآية 183

13- سورة يوسف، الآية5

14- ينظر للتفصيل في هذه المسألة: "مفاهيم نبذ العنف ضد النساء في القرآن والسنة المطهر" للدكتورة فريدة زمرد، ص68

15- ومن الأمثلة على هذا أيضا ما جاء في سورة النمل على لسان ملكة سبأ: "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أدلة وكذلك يفعلون "( سورة النمل/34)، فهذا ليس حكما قرآنيا، لأن الله تعالى يقول في سورة سبأ: "ولقد آتينا داوود منا فضلا"، وقال أيضا :"وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب" (سورة ص/ 20)، يعني أن الملك من الفضل الذي آتاه الله تعالى لداود، فكيف يكون ما هو فضل مدعاة للإفساد بحسب ما حكاه القرآن من كلام ملكة سبأ، الذي يعد خلاصة لتجربتها هي لا حكما عاما أو تقريرا قرآنيا، والأمثلة كثيرة من هذا القبيل.

16- أضواء البيان، ج1، ص34

17- سورة النساء، من الآية34.

18- المحرر الوجيز، ج2، 540، ط2، وزارة الأوقاف القطرية، سنة1428هـ/ 2007م

19- ينظر "التسهيل لعلوم التنزيل" ، ج1، ص190

20- انظر تفسير: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"، وتفسير آية: "للذكر مثل حظ الأنثيين"

21- وموضوع الكم الذي فسره الرسول من القرآن موضوع آخر أنجزت فيه دراسات متعددة، وليس هذا مجالا لتفصيله.

22- المقصود بعلم المبهم العلم الذي يعني ببيان ما ورد مبهما في القرآن الكريم من الأعلام والأماكن والأحداث وتفاصيل الأمور ،  من أشهر المؤلفات فيه "التعريف والإعلام لما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام" لعبد الرحمن السهيلي، و"التبيان في مبهمات القرآن"، لابن جماعة، لأن القرآن صرح وفصل في مواضع واستغنى عن ذلك في مواضع أخر ، لذلك يعتمد على آية أخرى أو أكثر أو دلالة السياق لبيان المبهم.

23- المرفوع: هو ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قول أو فعل أو صفة، وقد يكون صحيحاً أو حسناً أو ضعيفاً بحسب حال سنده ومتنه. 

24- ينظر  فتح البيان في مقاصد القرآن، ج1، ص18/19.

25- ينظر  فتح البيان في مقاصد القرآن، ج1، ص18/19.

26- ينظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، في النوع الثامن والسبعون بعنوان: معرفة شروط المفسر وآدابه، ج4، 174، وينظر كذلك البرهان، ج2، ص292.  

27- وقد جمعت كما لا بأس به من الأمثلة على هذا النوع من الاختلاف -غير المعتبر- والذي تضج به كتب التفسير، وهو ما سنوسع القول فيه في بحث لاحق بعون الله تعالى.

28- وقد بحث في موضوع أثر المذهبية في التفسير العديد في العديد من الأبحاث مثل: أطروحة:"أثر المذهبية في التفسير" لعبد الرحمن حسي، أنجزت سنة 1990 كلية الآداب بمكناس، ورسالة بعنوان: "أثر المذهبية الفقهية في تفسير آيات الأحكام" لبهاء الدين أحمد الجاسم، من جامعة قهرمان مرعش التركية ،  سنة2015، وهناك مقالات منشورة  حول أثر المذهبية في التفسير، للدكتور عبد الرزاق الهرماس وغيره.

29- مثل ما نجده مثلا في تفاسير الاتجاه الإصلاحي كتفسير "المنار" و"الظلال"  و"التحرير والتنوير "وخواطر الشيخ الشعراوي

  30- النص هو صيغة الكلام الأصلية كما وردت من صاحبها، وفي اللغة الظهور والبروز والارتفاع،  وهذا هو المعنى المستصحب عندما يطلق على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لظهورها وبروزها وارتفاعها، وليس النص بمفهومه الأصولي أي ما لا يحتمل إلا معنى واحدا.

31- الواقع هو: الزمان والمكان والأحداث الراهنة، والفرق بينه وبين التاريخ هو: أن التاريخ واقع قديم .

32- ينظر: "القول المبين في قواعد الترجيح عند المفسرين" لعبد الله الحزمي، وكذلك: "قواعد الترجيح عند المفسرين" لحسين بن علي الحربي.

33- سواء تعلق الأمر بتفاسير كاملة أم بتفسير آيات بعينها، لأننا في جميع الأحوال بصدد نشاط تفسيري إما شامل أو جزئي.

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الترجيح التفسيري وبعض قواعده من خلال التسهيل لابن جزي

الترجيح التفسيري وبعض قواعده من خلال التسهيل لابن جزي

تأسس علم أصول التفسير وقواعده كقانون يحكم العملية التفسيرية ويعصمها من العبث والفوضى، فكل النصوص سواء العلمية أو الأدبية أو غيرها تحتاج إلى آليات تحليلية خاصة وقواعد علمية محكمة للتعامل معها...

القرآن والكون من منظور منهجية القرآن المعرفية

القرآن والكون من منظور منهجية القرآن المعرفية

 تقوم المنهجية المعرفية القرآنية على تأصيل المعرفة العلمية والإنسانية وتخليقها، وأول أهداف هذا التأصيل هو الكشف عن حقيقة النظام الكوني باعتباره المعادل الطبيعي للنص، وإبراز وحدة الحقيقة والتطابق بين الوحي والكون، فكل معرفة تتوافق مع قوانين الكون- التي تتوافق بدورها مع القرآن- هي معرفة قرآنية إسلامية بدلالة اللزوم.

منهج تفسير القرآن بالقرآن من خلال:"أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي

منهج تفسير القرآن بالقرآن من خلال:"أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي

هو منهج ضروري بمقتضى الوحدة البنائية للنص القرآني، للنظر في الآيات بمنهج التكامل والربط بين الجزئي والكلي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، وقد يكون عمليا أعم من هذا فيشمل تفسير الغريب وبيان المبهم والجمع بين المتشابهات وما يتوهم أنه مختلف ...