قراءات

الأمثال الكامنة في القرآن الكريم
الأمثال الكامنة في القرآن الكريم

 

الحمد لله الذي ضرب الأمثال للناس فقال عز من قائل : ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [1]، وصلى الله على رسولنا الأسوة الحسنة والنموذج المقتدى بأقواله وأفعاله.

وبعد :

فللمثل أهمية كبيرة ومكانة عظيمة عند العرب في الجاهلية والإسلام فهو حكمتها ودليل من أدلة بيانها وفصاحتها وضرب من ضروب بديعها وجوامع كلمها وله تأثير قوي على النفوس الضالة والقلوب النافرة بما يقدمه من إعانة على الفهم واستثارة للذهن وتقريب للمعاني وإبراز للحقائق في صور بديعة وألفاظ بليغة لهذا دأب العلماء والأدباء في تأليف وتصنيف كتب الأمثال وتنافسوا في ذلك نظرا لما للمثل من فوائد جليلة.

  وفي هذا السياق يأتي هذا الكتاب الذي بين أيدينا»الأمثال الكامنة في القرآن الكريم»  للحسين بن الفضل(ت282هـ) وهو من أوائل المؤلفات في هذا الفن، وقد رام من خلاله أن يجمع بين الآيات القرآنية وأمثال العرب، يسأل ثم يجيب.

وسنحاول إن شاء الله قراءة هذا الكتاب واستخلاص أهم ما فيه من درر علمية، تحقيقاً لهذا الغرض.

فقد قسمت هذه الدراسة  إلى مبحثين الأول تناولت فيه: المؤلف ومنهجه في الكتاب وعنوان الكتاب ونسبته  
والمبحث الثاني كان عبارة عن تلخيص للكتاب وذلك بالاقتصار على بعض الأمثال.

المبحث الأول: ترجمة المؤلف

لعل تعريفا موجزا بالمؤلف ومنهجه في الكتاب يلقي الضوء على مكانة هذا الرجل العلمية، وقيمة كتابه بين كتب الأمثال.

هو الحُسَيْنُ بنُ الفَضْلِ بنِ عُمَيْرٍ أَبُو عَلِيٍّ البَجَلِيُّ العلامة المفسِّر الإمام اللغوي المحدث، أبو علي الكوفي ثم النيسابوري عالم عصره، ولد قبل الثمانين ومئة، سمع من يزيد بن هارون، وعبد الله السهمي وآخرون، وعنه أخذ أبو الطيب محمد بن المبارك والعتكي...قال تلميذه قال محمد بن صالح بن هانئ: توفي الحسين في شعبان، سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وهو ابن مائة وأربع سنين، وصلى عليه محمد بن النضر الجارودي، وقال السيوطي: أقام بنيسابور يعلم الناس العلم ويفتي، من سنة سبع عشرة ومائتين، إلى أن مات سنة اثنتين وثمانين، عن مائة أربع سنين وكان من العلماء الكبار العابدين، يركع كل يوم وليلة ستمائة ركعة، وقبره هناك مشهور يزار[2].

منهج الكتاب

في هذا الكتاب حاول المؤلف الربط بين بعض الآيات القرآنية وأمثال العرب وأقوالهم، بحيث يُخرّج بعض ما قالت العرب وسار  على ألسنتها ـ يخرّجه من القرآن، وهو ما سُمّي بـ(الأمثال الكامنة). والكتاب عبارة عن جوابات ومسائلات بلغت 25 مثالا.

والأمثال في القرآن كما هو معلوم عند الدارسين ترد على ضربين: ظاهرة وكامنة:

فالأمثال الظاهرة في القرآن الكريم: هي عبارة عن تشبيه شيء بآخر، أو تمثيل صورة غائبة بصورة مشاهدة محسوسة، ليسهل تصورها وإدراكها. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴾[3].

النوع الثاني من الأمثال: هو الأمثال الكامنة: وهي عبارة عن ورود أقوال وأمثال مشهورة توافق في معناها بعض الآيات القرآنية. وهذا هو موضوع هذه الرسالة اللطيفة الشيقة، بحيث ربط بين الآيات القرآنية وأمثال العرب.

 منهج المحقق في كتابه

أما المحقق هو الدكتور علي حسين البواب، قسم كتابه إلى قسمين قسم الدراسة وقسم التحقيق، وإن كان هو لم يصرح بهذا التقسيم، لكن استلهمته من قراءة للكتاب، أما قسم الدراسة فابتدأه بمقدمة علمية مختصرة حول المثل وقيمته، ثم انتقل إلى تعريف المثل في لغة واصطلاحا. وثلث بمبحث عن مؤلفات هذا الفن. وملاحظتي هذه الدراسة كثيرة فهناك شح في دراسته حتى ترجمة المؤلف لم يذكره بيد أنّ الإمام الحسين بن الفضل من أعلام هذا اللغة والتفسير كما تقدم معنا في ترجمته،و ترجمته موجودة انظر الهامس الأول. أمّا منهج صاحب الكتاب لم يتطرق إليه وحتى منهجه الذي سار عليه في التحقيق غائب.

واعتمد في تحقيقه على نسختين، الأول محفوظة بالمدينة المنورة، والثاني بمكتبة برلين، وقد برع في وصف النسخ وذكر اختلافات النسخ وما فيها من نقص واستدركات، فاقتصر عمله توثيق الآيات القرآنية، وتخريح الأحاديث النبوية، وعزو الأمثال إلى مظانها، مع بيان الغريب، وترجمة بعض الأعلام.

وهو بهذا العمل يكون قد قرّب إلينا تراثا علميا أصيلا.

 توثيق عنوان الكتاب ونسبته:

 قال المحقق بأن النسخ التي وقف عليه ذكرت اسم الكتاب، وورد في فهرسة ابن خير(ت565هـ). وقد رجعت إلى الفهرسة فوجدت هذا النص: «كتاب الْأَمْثَال الكامنة فِي الْقُرْآن أَيْضا اسْتِخْرَاج الْحسن بن الْفضل رَحمَه الله حَدثنِي بِهِ الشَّيْخ الإِمَام الراوية أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك الْأنْصَارِيّ قِرَاءَة مني عَلَيْهِ قَالَ أَخْبرنِي بِهِ أَبُو الْقَاسِم خلف بن مُحَمَّد بن عبد الله بن صَوَاب اللَّخْمِيّ إجَازَة قَالَ وَسمعتهَا من لفظ صاحبنا أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يحيى عَنهُ قَالَ حَدثنَا أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن زِيَادَة الله التَّمِيمِي الطبني رَحمَه الله قِرَاءَة عَلَيْهِ وَمرَّة سَمَاعا مِنْهُ ونسخته من كِتَابه قَالَ حَدثنَا أَبُو الْخطاب هبة الله بن عمار الْكرْمَانِي الصُّوفِي وَكتبه لي بِخَطِّهِ فِي الرّبيع الآخر سنة 438 بالإسكندرية قَالَ حدثناأبو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن القناس بالإسكندرية قَالَ حَدثنَا أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الفرغاني قَالَ سَمِعت الشَّيْخ الصَّالح أَبَا الْقَاسِم الْحسن بن مُحَمَّد بن حبيب الْمُفَسّر النَّيْسَابُورِي يَقُول سَمِعت أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مضَارب بن إِبرَاهِيم يَقُول سَمِعت أبي يَقُول سَأَلت الْحسن بن الفضل فَقلت إِنَّك تخرج أَمْثَال الْعَرَب والعجم من الْقُرْآن فَهَل تَجِد فِي كتاب الله خير الْأُمُور أوساطها قَالَ نعم فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وسَاق الْكتاب إِلَى آخِره»[4].

المبحث الثاني: تلخيص الكتاب

ابتدأ الحسين بن الفضل كتابه بقوله: حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الرازي قال: حدثنا الشيخ أبو الفتح محمد إسماعيل الفرغاني، قال حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر النيسابوري، قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم بن طوق، قال: سمعت أبي يقول: سألت الحسن بن الفضل، فقلت: إنك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن: فهل تجد في كتاب الله تعالى: «خير الأمور أوسطها»، قال: نعم، في أربعة مواضع: الأول: في البقرة، نفي قوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ ﴾[5] ، وهي المسنة.

الثاني: قوله تعالى في «النفقة»: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾[6] .

الثالث: قوله عز وجل لنبيّه صلى الله عليه وسلم في «الصلاة»: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾[7].

والرابع: قوله سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾[8].
ثم انتقل إلى المسألة الثانية وكل مسألة يسأل عنها إلى ويوثقها من القرآن الكريم. وسأنتقي بعض الأمثلة هنا وهناك.

قلت: فهل يوجد في كتاب الله: «في الحركات بركات»[9] ؟

قال: نعم، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾[10].  

قلت: فهل يوجد في كتاب الله: «كما تدين تدان»؟

قال: نعم، في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾[11].

قلت: فهل يوجد في كتاب الله تعالى: «إنّ الحديد بالحديد يُفلح». وعزاه المحقق: كتاب الأمثال(ص:395)، ومجمع الأمثال(1/11)، والمستقصى(1/404). والفلح: الشق، قال العسكري: الصعب لا يلينه إلا الصعب.

قال: نعم، قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾[12].

قلت: فهل يوجد في كتاب الله تعالى، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يُلْدَغُ المؤمنُ من حُجرٍ مرّتين»؟[13].
قال: نعم، في قصة يوسف قول يعقوب عليهما السلام: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾[14].

 لقد حاولت في هذا العرض التركيز على الجوانب الأساسية والهامة  التي تناولها كتاب «الأمثال الكامنة في القرآن الكريم«، مبرزة المراحل التي قطعها المؤلف، وهو يلم شتات موضوعه المتشابك، بعد أن نظر في هذا التراث، وأبان عن آليات تقويمه بمنهج جديد يتوخى تقصي جزئياته، بأدوات إجرائية وآليات عملية، تحمل على النظر في التراث نظرة تكاملية لا تجزيئية، وتدعو إلى إعادة النظر فيه بروح الجدال الهادئ وآداب الاعتراض الراسخ.

يتميز هذا الكتاب بخصائص كثيرة أهمها انسياق اللغة للمؤلف انسياقا عجيبا، طاوعته على حسن التبليغ وجميل الأداء، مع ما تجمله دلالاتها ومضامينها من معان مستغلقة عصية، جاءت عباراته مسترسلة في أسلوب هادئ قوي صارم. كما يتميز الكتاب بالدقة في التناول والضبط في استعمال المصطلحات.

خاتمة

أخيرا يستشف ويستنتج أن المثل يجعل الحقائق السامية في معانيها وأهدافها تأخذ صورتها الرائعة وهي تصاغ في قالب حسن يقربها من الافهام...والتمثيل هو ذلك القالب الذي يبرز المعاني في صورة حية تستقر في الاذهان  وكم من معنى أكسبه التمثيل روعة وجمالا  فكان ذلك أدعى لتقبل النفس له وامتناع العقل به ...
 
الهوامش

(1)  سورة الروم، آية: 57.

(2) انظر ترجمته في:  إنباء الرواة على أنباء النحاة للقفطي(3/275)؛ وسير أعلام النبلاء للذهبي(13/414).ولسان الميزان لابن حجر(2/308)؛ طبقات المفسرين(1/48).

(3) سورة البقرة، آية: 16.

(4) فهرسة ابن خير الإشبيلي(1/67).

(5) سورة البقرة، آية: 67.

(6) سورة الفرقان، آية: 67.

(7) سورة الإسراء، آية: 109.

(8) سورة الإسراء، آية: 29.

(9) أخرج هذا المثل في: معترك الأقران والإتقان، قال السخاوي: هو من كلام السلف ويعارض قولهم: «الثبات نبات»، ولكن يشير إلى الأول قوله تعالى: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله﴾وبالجملة فهما طريقتان بحسب اختلاف الأحوال.

(10) سورة النساء، آية: 99.

(11) سورة النساء، آية: 122.

(12) سورة الشورى، آية37.

(13) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأداب، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، رقم6133. ومسلم في كتاب الزهد والرقائق،  باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، رقم2998.

(14) سورة يوسف، آية: 64.

إنجاز: ذ. الحسن الوزاني
مركز الدراسات القرآنية



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية نقدية

القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية نقدية

صدر كتاب «القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية»، للدكتور يوسف الكلاَّم، ـ أستاذ مقارنة الأديان في مؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط، عن مجلة البيان، 1434هـ، في 95 صفحة، والكتاب يتألف من مقدمة، ومدخل، وأربعة عناوين رئيسة، ثم خاتمة.

دراسات في أصول تفسير القرآن

دراسات في أصول تفسير القرآن

«أصول التفسير» علم يدرس القواعد التي تضبط تفسير كلام الله تعالى وتعصمه من أن يكون عملا اعتباطيا خاضعا لأهواء الناس ومذاهبهم وبواعثهم الفكرية.
وسعيا من لدن بعض العلماء لتفادي المزالق التي وقع فيها المتعاملون مع القرآن الكريم فهما، وتفسيرا، واستنباطا، واستدلالا، قعدوا قواعدَ تفسيرِ كتاب الله تعالى، وأودعوها في مقدمات كتب التفسير...

مفهوم الترتيل: النظرية والمنهج

مفهوم الترتيل: النظرية والمنهج

مفهوم الترتيل في القرآن الكريم: النظرية والمنهج" (2007) للدكتور أحمد عبادي محاولة منهجية دقيقة للكشف عن مفهوم قرآني أُنُفٍ لم ينل حظه الكافي من الدراسة والتنقيب، طمرته البداهة فحجبت مدلولاته خطيرة الأبعاد، واسعة المهاد...