قراءات

قراءة في كتاب أصول التفسير ومناهجه
قراءة في كتاب أصول التفسير ومناهجه

         ذ. طه الراضي

باحث بمركز الدراسات القرآنية

كتاب أصول التفسير ومناهجه كتاب قيم في بابه، غنيّ في مادته، منظم في تبويباته وتفريعاته، شيّق في محتواه ومضامينه، أخّاذ في اقتباساته واستدلالاته، فعلى توسطيّة حجمه وكمّه فهو زاخر بفوائد جمة حقّ لطالب علم في تخصصه أن يتصفحه لينهل من معين مباحثه وتفصيلاته، فهو لاشك أن يجد به غائيته ومراده ومبتغاه. فضلا عن كل هذا تلفتك منهجية تصنيفه المحكمة، وتفصيلات مواضيعه المدققة وتقسيماته المركزة، بإجمال القول وعمومه أن جل مواضيع الكتاب ومباحثه متسمة بالاختصار المفيد والتناسب المنسجم في الترتيب والتركيب مع التوثيق العلمي للمعلومة، والسلاسة في العرض والتقديم بدأ بالمقدمة وانتهاءا بآخر فصوله المرقمة والبالغة إحدى عشر فصلا، كما يُلمح عدم الإطناب الغير المواتي والاستطراد الغير المجدي، مع لغة سهلة بينة وأسلوب يُسر سليم، مما أنتج تركيب أفكار وأثمر بناء مفاهيم واضحة جلية يسهل على القارئ استيعابها وفهم مضامينها ومنطوياتها.

فالكتاب في محتواه يضم مقدمة وإحدى عشر فصلا علميا في مختص أصول التفسير ومناهجه؛ كل تحت عنوانه، ومنه سنعمل بعون الله وتسديده على إنجاز قراءة مقتضبة متأنية لمباحث هذا الكتاب مقتبسين بعضا من أسطره التي نراها مستحقة لذلك لنستجلي أهم قسماته العلمية وأبرز قواعده التأسيسية الداعمة المُضمَّنة، ذاكرين كل مبحث على حدة مع الإيجاز في عرض مضامينه.

وكما هو معتاد فالمقدمة عبارة عن ورقة تعريفية بأهمية الاشتغال بهذا الفن من الفنون النافعة بإذن الله، مبينا بها الدافع من جمع مواد هذا المصنَّف والباعث على ذلك قائلا: (وحين أسند إلي تدريس مقرر «أصول التفسير» في كلية المعلمين بالرياض وقد شاركت من قبل في وضع مفرداته لم أجد كتابا يجمع أبوابه، بل منها ما لم يكتب فيه كتابة وافية، فرأيت أن الحاجة ماسة إلى وضع كتاب في أيدي الطلاب يجمع لهم الشتات ويكون لهم مرجعا يجمع عناصر الدرس، ويعينهم على التحصيل، ويفتح الباب لمن أراد أن يخوض العباب الزاخر).

 المبحث الأول: تعريف علم أصول التفسير وبيان مكانته وفضله

التفسير اصطلاحا: علم يفهم به كتاب الله تعالى المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه. وأما أصول التفسير اصطلاحا: فهي القواعد والأسس التي يقوم عليها علم التفسير وتشمل ما يتعلق بالمفسر من شروط وآداب وما يتعلق بالتفسير من قواعد وطرق ومناهج وما إلى ذلك.
وغاية هذا العلم ضبط التفسير بوضع القواعد الصحيحة والطرق السليمة والمناهج السديدة للتفسير، والشروط المحكمة والآداب الفريدة للمفسر، ولهذا العلم فوائد كثيرة من السهل حصرها، وفضله ومكانته كبيرة وشرف عظيم، ذلك أن شرف العلم من شرف المعلوم، وأصول التفسير تبحث في علم التفسير وموضوع هذا العلم هو القرآن الكريم وهو خير الكلام لأنه كلام الله تعالى، فلا عجب أن تكون أصول التفسير من أشرف العلوم وأعلاها مكانة وأكثرها فضلا

 المبحث الثاني: نشأة علم التفسير ومراحله

وفي هذا المبحث يقول: (جرت سنة الله تعالى في إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يبعث لكل أمة نبيا بلسان قومه وأن يكون كتابه بلسانهم، قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾
إلى أن قال: ( وكان القوم عربا خلصا يفهمون القرآن الكريم بمقتضى السليقة العربية واللسان العربي، غير أن القرآن يعلو على سائر كلام العرب بألفاظه وأساليبه اللغوية والبلاغية فضلا عن معانيه، ولذا فقد كانوا يتفاوتون في فهمه وإدراكه... فإن أشكل عليهم لفظ أو غمض عليهم مرمى ولم يجدوا من يفسره لهم سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فبينه لهم. وبهذا نشأ علم التفسير ثم مر بمراحل أبرزها:

 المرحلة الأولى: التفسير في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

وفي هذه المرحلة كان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أشكل عليهم فهمه من القرآن فيجدون الجواب الشافي، وقد اختلف العلماء في مقدار ما فسره الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن على قولين: الأول: أنه صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه. والثاني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين لأصحابه إلا القليل من معاني الآيات.

وفي هذا رجّح رأيا بقوله: (والذي أراه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين معاني كل الآيات القرآنية) لأمور لمعرفتها يرجى الرجوع إلى الصفحة 17.

منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التفسير: لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يطنب في تفسير الآية أو يخرج إلى ما لا فائدة في معرفته ولا ثمرة في إدراكه، فكان جل تفسيره صلى الله عليه وسلم بيانا لمجمل، أو توضيحا لمشكَل، أو تخصيصا لعام، أو تقييدا لمطلق أو بيانا لمعنى لفظ أو متعلقه.

  المرحلة الثانية: التفسير في عهد الصحابة رضي الله عنهم

كانوا رضوان الله عليهم أجمعين إذا خفي عليهم معنى أو دق عليهم مرمى رجعوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فبين لهم ذلك ووضحه، وإن لم يتيسر لهم ذلك رجعوا اجتهاداتهم وكان التفاوت بينهم واضحا في هذه الرتبة، فكان بعضهم يرجع إلى بعض، إذ التفاوت بينهم راجع إلى التفاوت في قوة الفهم والإدراك، وفيما أحاط بالآية من ظروف وملابسات. وقد تيمز تفسيرهم بمزايا منها:

1- قلة الأخذ بالإسرائيليات.

2-  لم يشمل تفسيرهم القرآن كله.

3- لا يتكلفون التفسير ولا يتعمقون فيه تعمقا مذموما.

4-قلة تدوينهم للتفسير وأن أغلب ما روي عنهم كان بالرواية والتلقين وليس بالتدوين.

منهج الصحابة رضي الله عنهم في التفسير: يقوم منهجهم على ثلاثة أسس:

 الأول: تفسير القرآن بالقرآن: فإن من آيات القرآن ما جاء مجملا في موضع و مبينا في موضع آخر، وموجزا في موضع ومفصلا في موضع آخر، ومطلقا في موضع ومقيدا في موضع آخر، ومثل هذا يفسر بعضه بعضا.

الثاني: تفسير القرآن بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم: وقد أفردت كتب السنة بابا للتفسير بالمأثور ذكرت فيه كثيرا من التفسير النبوي للقرآن الكريم.

الثالث: الاجتهاد والاستنباط: فإن لم يعثر الصحابة رضي الله عنهم على التفسير لا في القرآن ولا في السنة اجتهدوا رأيهم، ولأنهم عربا خلّص شاهدوا التنزيل وحضروه كانوا أحرى وأجدر بذلك. وقد أثر عنهم أنهم كانت لهم ثلاث مدارس في التفسير، مدرسة ابن مسعود رضي الله عنه في الكوفة، ومدرسة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في مكة، ومدرسة أبي بن كعب رضي الله عنه في المدينة.

أما عن حكم تفسير الصحابي فينقسم إلى قسمين: - إذا كان مما ليس للرأي فيه مجال كالأمور الغيبية، وأسباب النزول ونحوها فله حكم المرفوع يجب الأخذ به. –وإذا كان غير ذلك مما يرجع إلى اجتهاد الصحابي فهو موقوف عليه ما دام لم يسنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأوجب بعض العلماء الأخذ بموقف الصحابي لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها وليست لغيرهم.

المرحلة الثالثة: التفسير في عهد التابعين رحمهم الله تعالى

لم يكن ثمة فارق كبير بين منهج الصحابة رضي الله عنهم ومنهج التابعين، فقد تلقى التابعون تفسيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وكانوا يتحرجون من التفسير كما تحرج الصحابة رضي الله عنهم، فهذا سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع. ومن أشهر المفسرين من التابعين مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة والحسن البصري وزيد بن أسلم وقتادة وعامر الشعبي وغيرهم.

حكم تفسير التابعي: فقد اختلف العلماء في الرجوع إلى تفسير التابعي للآية إذا لم يرد تفسيرها عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه رضي الله عنهم، فطائفة ذهبت إلى أنه لا يجب الأخذ بتفسير التابعي لأنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم لم يشاهدوا القرائن والأحوال التي نزل عليها القرآن وأن عدالة التابعين غير منصوص عليها كما نص على عدالة الصحابي. وطائفة قالت وهم أكثر المفسرين: أنه يؤخذ بقول التابعي في التفسير إذا لم نجد تفسيرها في السنة ولا في أقوال الصحابة لأنهم تلقوا التفسير عن الصحابة وحضروا مجالسهم ونهلوا من علمهم.

والرأي الراجح: التفصيل كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فإن أجمعوا على تفسير واحد وجب الأخذ به ولا يرتاب في كونه حجة».

 المرحلة الرابعة: التفسير في عهد التدوين

وقد بدأ عصر التدوين في أواخر القرن الأول الهجري حيث دون الحديث النبوي الشريف بمختلف موضوعاته وأبواب، ونستطيع أن نقول أن تدوين التفسير مرّ بأربع مراحل حتى استوى على سوقه وأنتجت لنا مؤلفات في التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي.

المبحث الثالث: اختلاف المفسرين وأسبابه

قد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في تفسير بعض الآيات من الذكر الحكيم، واختلافهم هذا مع قلته هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد وهو أيسر أنواع الاختلاف، وفيما يلي أنواع اختلاف المفسرين.
(أنواع اختلاف التنوع: أولا أن يعبر كل واحد من المفسرين عن المعنى المراد بعبارة غير عبارة صاحبه. ثانيا أن يذكر كل مفسر من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل. ثالثا ما يكون فيه اللفظ محتملا للأمرين. الرابع: أن يعبروا على المعاني بألفاظ متقاربة) مع إيراده لمثال كل نوع، أما عن أسباب الاختلاف فهي كثيرة إلا أنه قد أوجزها في الآتي ونذكر بعضها:

أولا: أن يكون في الآية أكثر من قراءة فيفسر كل منهم الآية على حسب قراءة مخصوصة.

ثانيا: الاختلاف في وجوه الإعراب، ولا شك أن الإعراب له تأثير في المعنى.

ثالثا: احتمال أن يكون للفظ أكثر من معنى.

رابعا: الاختلاف في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد يبلغ أحدهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يبلغ الآخر فيختلف تفسير كل مفسر عن الآخر.

 المحبث الرابع: أساليب التفسير

لينتقل بالحديث عن أساليب التفسير الأربعة، وهي: التفسير التحليلي والتفسير الإجمالي والتفسير المقارن والتفسير الموضوعي، شارحا كل نوع على حدة ومنه:

التفسير التحليلي: وهو الأسلوب الذي يتتبع فيه المفسر الآيات حسب ترتيب المصحف سواء تناول جملة من الآيات متتابعة أو سورة كاملة أو القرآن كله، ويبين ما يتعلق بكل آية من معاني ألفاظها، ووجوه البلاغة فيها وأسباب نزولها وأحكامها ومعناها ونحو ذلك.

التفسير الإجمالي: وهو الأسلوب الذي يعمد فيه المفسر إلى الآيات القرآنية حسب ترتيب المصحف فيبين معاني الجمل فيها متتبعا ما ترمي إليه الجمل من أهداف، ويصوغ ذلك بعبارات من ألفاظه ليسهل فهمها وتتضح مقاصدها للقارئ والمستمع.

التفسير المقارن: وهو الذي يعمد المفسر فيه إلى الآية أو الآيات فيجمع ما حول موضوعها من نصوص سواء كانت نصوصا قرآنية أخرى، أو نصوصا حديثية، أو للصحابة، أو للتابعين، أو للمفسرين، أو كتب سماوية، ثم يقارن بين هذه النصوص، ويوازن بين الآراء ويستعرض الأدلة، ويبين الراجح وينقض المرجوح. وفي هذا النوع من التفسير فوائد زوائد حيث تكون المقارنة بين نص قرآني وبين نص في التوراة، أو نص في الإنجيل لإظهار فضل القرآن، ومزيته، وهيمنته على الكتب السابقة، وكشف وجوه التحريف والتبديل فيها، فيما وقع فيه اختلاف، وتوضيح المعنى القرآني وجلاء بعض معانيه وتكملة المشهد الذي يتناوله النص القرآني فيما وقع الاتفاق فيه بين القرآن والكتب السابقة.

التفسير الموضوعي: وهو أسلوب لا يفسر فيه صاحبه الآيات القرآنية حسب ترتيب المصحف بل يجمع كل الآيات القرآنية التي تتحدث عن موضوع واحد فيفسرها مجتمعة ويستنبط الحكم المشترك منها ومقاصد القرآن فيها، وقيل هو علم يتناول القضايا حسب مقاصد القرآن العليا من خلال سورة أو أكثر.

 المبحث الخامس: طرق التفسير

معلوم أن الصحابة رضي الله عنهم عربا خلصا يفهمون القرآن بمقتضى اللغة، لكن اللغة وحدها لا تكفي لفهم معاني بعض الآيات، بل لا بد من معرفة ما يحيط بالآية من أحداث وملابسات، كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص وغير ذلك، فضلا عن القدرة على الاستنباط ودقة الفهم. ولهذا فقد كان تنافس الصحابة رضي الله عنهم والمسلمون من بعدهم في التدبر في آيات القرآن، وبيان معانيه، واستنباط حكمه وأحكامه فإن وجدوا في القرآن ما يفسر بعضه بعضا أخذوا به وإلا رجعوا إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوا وإلا رجعوا على أقوال الصحابة رضي الله عنهم فإن أعياهم ذلك اجتهدوا رأيهم. وبهذا يظهر أن طرق التفسير ومصادره تنقسم إلى طريقين:التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي. لنتناول ذلك بشيء من البيان

 أولا التفسير بالمأثور: والمراد به ما جاء في القرآن الكريم نفسه من البيان والتفصيل لبعض آياته، وما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم وما نقل عن أصحابه رضي الله عنهم من ذلك واختلفوا فيما نقل عن التابعين.

وللتفسير بالمأثور فضل ومكانة على باقي أنواع التفاسير الأخرى لأنه إما أن يكون تفسيرا للقرآن بكلام الله تعالى فهو أعلم بمراده، وإما أن يكون تفسيرا له بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم فهو المبين لكلام الله تعالى، وإما أن يكون بأقوال الصحابة فهم الذين شاهدوا التنزيل بقرائنه وأحواله وهم أهل اللسان.

مع التنبيه أن التفسير بالمأثور قد دخله الوضع وسرى فيه الدس والخرافات وذلك لأسباب. والتفسير بالمأثور نوعان: أحدهما ما توافرت الأدلة على صحته وقبوله، وثانيهما ما لم يصح بسب الدس والوضع وهذا وجب رده ولا يجوز قبوله ولا الاشتغال به إلا لتمحيصه أو التنبيه إلى ضلاله حتى لا يغتر به أحد.

مصادره: للتفسير بالمأثور مصادر وتسمى طرق التفسير وهي التي يعتمدها ويصدر عنها

أولها القرآن وأهو أصح طرق التفسير، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في مقدمة أصول التفسير: «أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمِل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر».

ثانيها السنة النبوية قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فإن أعياك ذلك- يعني تفسير القرآن بالقرآن- فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: «كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن»». وقال الإمام أحمد رحمه الله «السنة تفسر الكتاب وتبينه». وعلى هذا فأوجه بيان السنة للكتاب: أن السنة تبين ما أجمل في القرآن وتوضح المشكَل وتخصص العام وتقيد المطلق، وبهذا يظهر أن السنة النبوية أهم مصادر التفسير بالمأثور مع القرآن الكريم.

ثالثها تفسير الصحابي رضي الله عنه: قال ابن تيمية رحمه الله: وحينئذ إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح لا سيما علماؤهم وكبراؤهم».

رابعها تفسير التابعين رحمهم الله تعالى: فإن لم تجد تفسيرا فيما سبق ذكره آن إذن ترجع إلى أقوال التابعين، وهذا ما قاله ابن تيمية: «فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر فإنه آية في التفسير .. وكسعيد بن جبير وعكرمة ..».

حكم التفسير بالمأثور: يجب الأخذ به ولا يجوز العدول عنه إذا صح.

 ثانيا التفسير بالرأي: والمراد به الاجتهاد، وعليه فالتفسير بالرأي عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد.

وقد يبذل المفسر جهده وتتوافر فيه شروط المفسر فيُحمد تفسيره، وقد يكون صاحب هوى أو لا تتوفر فيه الشروط فيذم تفسيره. وبهذا يظهر أن التفسير بالرأي ينقسم إلى قسمين: الأول التفسير بالرأي المحمود وهو التفسير المستمد من القرآن ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان صاحبه عالما باللغة العربية، خبيرا بأساليبها، عالما بقواعد الشريعة وأصولها ومقاصدها، والمفسر هاهنا يبذل جهده ووسعه في فهم النص القرآني وإدراك معناه مستندا إلى اللغة، والنصوص، والأدلة الشرعية. وقد أجازه العلماء. الثاني التفسير بالرأي المذموم وهو التفسير بمجرد الرأي والهوى ولا يستند صاحبه إلى نصوص الشريعة وأكثر الذين فسروا القرآن بمجرد الرأي هو أهل البدع والمذاهب الباطلة، وحكم هذا النوع من التفسير حرام ولا يجوز، قال ابن تيمية رحمه الله: «فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام» والأدلة على ذلك كثيرة.

 المبحث السادس: مناهج التفسير

في هذا المبحث خاصة توسع بالقول في ذكر أنواع مناهج التفسير معرفا إياها وموضحا أطوار نشأتها وبعض عللها ومؤلفات كل لون من ألوانها ومرجحا بعض تقابلاتها، والتي أحصاها في سبعة وهي: منهج التفسير بالمأثور، منهج التفسير الفقهي، منهج التفسير العلمي، منهج التفسير العقلي، منهج التفسير الإجتماعي، منهج التفسير البياني، منهج التفسير التذوقي.

المبحث السابع: إعراب القرآن الكريم

الإعراب لغة: الإبانة يقال أعرب الكلام بينه وعرب منطقه أي هذّبه من اللحن، والإعراب الذي هو النحو إنما هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ، وأعرب كلامه إذا لم يلحن في الإعراب.

واصطلاحا اختلاف آخر الكلمة باختلاف العوامل لفظا وتقديرا، أما الإعراب في القرآن الكريم: فهو ضبط كلماته، والبعد عن اللحن في نطقها حتى يظهر معناها الصحيح. وتظهر أهمية هذا العلم لكون الإعراب يبين المعنى ويميز المعاني، ويوقف على أغراض المتكلمين، ولا يمكن أن يفهم النص القرآني الفهم الصحيح ما لم ينطق بكلماته النطق الصحيح، والإعراب هو سبيل النطق الصحيح بالكلمات القرآنية.

نشأته وتطوره: لما اتسعت الفتوحات الإسلامية اختلط العرب بالأمم الأعجمية، ودخل كثير من هذه الأمم في الإسلام وكان بين العرب والعجم اختلاط واشتراك فظهرت عوامل الفساد في لسان بعض العرب وسمع اللحن في التخاطب. ويعتبر اللحن الباعث الأول على تدوين اللغة وجمعها، وعلى استنباط قواعد النحو وتصنيفها، ومنه نشأ علم النحو وإنما أنشأ هذا العلم للمحافظة على القرآن الكريم من أن يقع اللحن في كلماته.

أهم المؤلفات في هذا العلم: والمؤلفات في هذا كثيرة سلك مؤلفها اتجاهات مختلفة فمنهم من اقتصر على إعراب القرآن ومشكله مثل مكي، ومنهم من عرض لإعراب غريب القرآن كابن الأنباري في كتابه "البيان في إعراب غريب القرآن" ومنهم من جمع بين أوجه القراءات والإعراب مثل "معاني القرآن للفراء "والمحتسب" لابن جني " و"الحجة" لابن فارس.

  المبحث الثامن: غريب القرآن الكريم

تعريفه: للغريب معنيان لغوي واصطلاحي، أما في اللغة فمعنى غرب بَعُدَ، والغريب هو الغامض من الكلام، ومنه تفيد البعد في المكان والغموض في الكلام. وفي الاصطلاح علم غريب القرآن هو العلم المختص بتفسير الألفاظ الغامضة في القرآن الكريم وتوضيح معانيها بما جاء في لغة العرب وكلامهم.

موضوعه هو الكلمات التي تحتاج إلى تفسير وبيان في القرآن الكريم، أما عن أهميته فمعرفة هذا العلم أمر ضروري للمفسر لا بد منه، وإلا فلا يحل له الإقدام على كتاب الله تعالى وفي هذا قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: «لا أوتي برجل يفسر كتاب الله تعالى غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا».

نشأته وتطوره: قد نشأ هذا العلم عقب توسع الدولة الإسلامية وانتشار رقعتها فاختلط العرب بالروم والفرس والأحباش والأقباط والبربر وغيرهم من الشعوب، فشابت الأذواق شوائب فالتبست عليهم بعض الألفاظ، وغمض عليهم بعض المعاني، فاتجهت طائفة من العلماء لتفسير ما يحتاج إلى بيان من ألفاظ القرآن والحديث، وسمي هذا العلم بغريب القرآن وغريب الحديث وكانت له تسميات من مثل: معاني القرآن أو إعراب القرآن أو مجاز القرآن وألفت فيه مؤلفات عديدة يضيق المجال لعرضها.

  المبحث التاسع: الوجوه والنظائر نقتصر على تعريفها اصطلاحيا وهي: اختلف العلماء على تعريفها إلى قولين: الأول لابن الجوزي وآخرين وهو«أن معنى الوجوه والنظائر أن تكون الكلمة واحدة ذكرت في مواضع من القرآن على لفظ واحد وحركة واحدة وأريد بكل مكان معنى غير الآخر، فلفظ كل كلمة ذكرت في موضع نظير للفظ الكلمة المذكورة في الموضع الآخر (وهو النظائر) وتفسير كل كلمة بمعنى غير معنى الأخرى (هو الوجوه)، فإذن النظائر اسم للألفاظ والوجوه اسم للمعاني».

والثاني للزركشي وآخرين وهو: أن الوجوه اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان كلفظ الأمة، والنظائر كالألفاظ المتواطئة. وفي هذا يقول: (وفي عبارة الزركشي شيء من الغموض ولعلها تصبح أقرب إلى الذهن إذا قلنا الوجوه هي المعاني المختلفة التي تكون للفظ الواحد في سياقات متعددة فيسمي اللفظ من أجل ذلك مشتركا يعني تشترك فيه معان متعددة) وبهذا يقول أن التعريفين يتفقان في معنى الوجوه ويختلفان في تعريف النظائر، وموضوع هذا العلم وهو الكلمات القرآنية التي تكرر ورودها في القرآن الكريم بلفظها أو ما اشتق منه لمعاني مختلفة.

وعن أهمية هذا العلم يقول: (يعكس لنا ثراء اللغة العربية وشمولها ليس نتاج جملتها ومجموع ألفاظها فحسب بل ثراء مفرداتها، إذن إن كثيرا من مفردات اللغة العربية ثرية بالمعاني والمدلولات المتعددة والمختلفة، بحيث يمكن التعبير بلفظ واحد عن معاني مختلفة، فضلا عن أن كل معنى من هذه المعاني له لفظ خاص به أو يدل على معاني أخرى غيره). هذا إن كان خارج دائرة القرآن الكريم أما إن كان داخلها فهذا يتصادم مع القول القائل بأن ليس بالقرآن ترادف، فلكل لفظة أو مفردة أو مصطلح قرآني مكانته وشخصيته المستقلة المثبتة وبصمته التي لا يشغلها أي كان.

وفي السياق ذاته يقول: (وتظهر أهمية هذا العلم في معرفة مدلول الألفاظ وأنه لا يجوز لأحد أن يفسر القرآن إلا إذا علم مدلول كل لفظ وعرف معناه وأدرك استعمالات الألفاظ، بل لا بد من فهم ذلك وإدراكه لما يترتب عليه من اختلاف في فهم العقيدة الصحيحة، واستنباط الأحكام الشرعية وإلا فقد أخطأ الفهم وبعد عن الصواب وتجرأ على القول في القرآن بغير علم...).

  المبحث العاشر: قواعد مهمة يحتاج إليها المفسر

وفي هذا المبحث سنعمد إلى ذكر أهم القواعد الواجب إدراكها مع عرض تفصيلها بشكل موجز.

أولا: كل عام يبقى على عمومه حتى يأتي ما يخصصه، بمعنى أن لفظ الآية الذي يحتمل أكثر من معنى يفسر بكل هذه المعاني حتى يقوم دليل على تخصيص أحدهما دون الباقي، قال الطبري رحمه الله: «غير جائز إدعاء خصوص في آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم بها».

ثانيا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال ابن تيمية رحمه الله تعالىك ولهم هذه الآية نزلت في كذا ... لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك دون غيرهم فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق».

ثالثا: اختلاف القراءات في الآية يعدد معانيها وفي هذا يقول: (لا يخلو اختلاف القراءات من حاليتن: الأولى: أن يكون الاختلاف في وجوه النطق بالحروف والحركات كالإظهار والإدغام والإمالة والمد ونحو ذلك وهذا لا تعلق له بالتفسير كبير. الثانية: أن يكون الاختلاف في الكلمات أو اختلاف الحركات الذي يؤدي إلى اختلاف المعنى وهذا له تأثير في التفسير. فإن الاختلاف في القراءات يؤدي إلى تعدد المعاني للآية فلكل قراءة معناها الخاص بها وهذا ظاهر لا يحتاج إلى تمثيل).

رابعا: المعنى يختلف باختلاف رسم الكلمة فقد يكون لبعض الكلمات أكثر من معنى إلا أن رسمها في المصحف يرجح أحد المعنيين.

خامسا: السياق القرآني وفي هذا يقول: (وهذه قاعدة مهمة، فعلى المفسر أن لا ينظر في الكلمة أو الجملة مستقلة بنفسها بل عليه أن ينظر إليها في سياق النص القرآني فإن ذلك معين على تحديد المعنى المراد لاسيما إذا كان للكلمة أو الجملة أكثر من معنى).وذكر أمثلة لاستجلاء المعنى نقتصر منها على المثال الآتي: في تفسير قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾ نقل الطبري عن قتادة قوله: هؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن غيره أنهم علماء بني إسرائيل الذي اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم رجّح القول الثاني فقال: «وهذا القول أولى بالصواب من القول الذي قاله قتادة لأن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين وتبديل من بدل منهم كتاب الله وتأولهم إياه على غير تأويله، وادعاءهم على الله الأباطيل، ولم يجر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الآية التي ذكر.. ولا لهم بعدها ذكر في الآية التي تتلوها).

 وهذه قاعدة غاية في الأهمية وملمح واجب الأخذ به في تأول كتاب الله العزيز فقد صنفت فيه المصنفات وأعقدت حوله الندوات، فأثمرت على وضع مناهج وأسس علمية رصينة في البحث والخوض في تفسير القرآن المجيد.

سادسا: التفسير يكون بالأغلب الظاهر من اللغة وذلك بأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين فلا يصح تفسيره بغير الأظهر والأغلب والأبين من كلام العرب، قال الإمام الطبري: «غير جائز أن نحمل معاني كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب في كلام العرب ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب سبيل».

سابعا: تقديم المعنى الشرعي على المعنى اللغوي وفي هذا يقول: (إذا كان للكلمة الواحدة معنيان أو أكثر أحدهما لغوي والآخر شرعي واختلف المعنيان قدم المعنى الشرعي على اللغوي لأن القرآن الكريم نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة إلا أن تدل قرينة على إرادة المعنى اللغوي).

وقد ساق مثالين: مثال ما قدم فيه المعنى الشرعي قوله تعالى في المنافقين ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدا﴾ فالصلاة لها معنيان لغوي هو الدعاء وشرعي وهو هنا صلاة الجنازة، فيقدم المعنى الشرعي لأنه المقصود للمتكلم المعهود للمخاطب، ومثال ما قدم فيه المعنى اللغوي لقرينة قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم﴾ فالمراد بالصلاة هنا الدعاء بدليل حديث مسلم «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال اللهم صل عليهم».

المبحث الحادي عشر: أهم المؤلفات في التفسير ومناهجه

وبهذا المبحث اختتم كتابه المفيد والذي محوره في محورين الأول ضمّنه بذكره لمجموعة من المؤلفات التفسيرية وذكر أصحابها من أعلام الإسلام البارزين، مع عرض مختصر لأخص ميزات تفاسيرهم والتي خُلِّد بها ذكرهم في الصالحين نفعنا الله بها ونفعهم بها يوم العرض عليه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، والثاني ذكر به إجمالا مؤلفات في دراسة التفسير ومناهجه وعرف البعض منها.

 وهو مبحث خصب يتضمن تراجم أعلام التفسير الأفذاذ جعلنا الله سبحانه على دربهم سائرين وللواء العلم حاملين ولكاتب ربنا خادمين طائعين ولوجه الله مخلصين خالصين وفي جنان الخلد ساكنين مقرين.آمين والحمد لله رب العالمين.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية نقدية

القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية نقدية

صدر كتاب «القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية»، للدكتور يوسف الكلاَّم، ـ أستاذ مقارنة الأديان في مؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط، عن مجلة البيان، 1434هـ، في 95 صفحة، والكتاب يتألف من مقدمة، ومدخل، وأربعة عناوين رئيسة، ثم خاتمة.

دراسات في أصول تفسير القرآن

دراسات في أصول تفسير القرآن

«أصول التفسير» علم يدرس القواعد التي تضبط تفسير كلام الله تعالى وتعصمه من أن يكون عملا اعتباطيا خاضعا لأهواء الناس ومذاهبهم وبواعثهم الفكرية.
وسعيا من لدن بعض العلماء لتفادي المزالق التي وقع فيها المتعاملون مع القرآن الكريم فهما، وتفسيرا، واستنباطا، واستدلالا، قعدوا قواعدَ تفسيرِ كتاب الله تعالى، وأودعوها في مقدمات كتب التفسير...

مفهوم الترتيل: النظرية والمنهج

مفهوم الترتيل: النظرية والمنهج

مفهوم الترتيل في القرآن الكريم: النظرية والمنهج" (2007) للدكتور أحمد عبادي محاولة منهجية دقيقة للكشف عن مفهوم قرآني أُنُفٍ لم ينل حظه الكافي من الدراسة والتنقيب، طمرته البداهة فحجبت مدلولاته خطيرة الأبعاد، واسعة المهاد...